محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يشتري القاتل بقيمته ندا من النعم ، ثم يهديه إلى الكعبة ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبدة ، عن إبراهيم ، قال : ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته ما يقتله المحرم . حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن حماد ، قال : سمعت إبراهيم يقول : في كل شيء من الصيد ثمنه ما يقتله المحرم . وأولى القولين في تأويل الآية ، ما قال عمر وابن عباس ومن قال بقولهما : إن المقتول من الصيد يجزي بمثله من النعم ، كما قال الله تعالى : فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ما يقتله المحرم وغير جائز أن يكون مثل الذي قتل من الصيد دراهم وقد قال الله تعالى : مِنَ النَّعَمِ لأن الدراهم ليست من النعم في شيء . فإن قال قائل : فإن الدراهم وإن لم تكن مثلا للمقتول من الصيد ، فإنه يشتري بها المثل من النعم ، فيهديه القاتل ، فيكون بفعله ذلك كذلك جازيا بما قتل من الصيد مثلا من النعم ؟ قيل له : أفرأيت إن كان المقتول من الصيد صغيرا أو كبيرا أو سليما ، أو كان المقتول من الصيد كبيرا أو سليما بقيمته من النعم إلا صغيرا أو معيبا ، أيجوز له أن يشتري بقيمته خلافه وخلاف صفته فيهديه ، أم لا يجوز ذلك له ، وهولا يجوز إلا خلافه ؟ فإن زعم أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته إلا مثله ، ترك قوله في ذلك ؛ لأن أهل هذه المقالة يزعمون أنه لا يجوز له أن يشتري بقيمته ذلك فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا ، وإذا أجازوا شرى مثل المقتول من الصيد بقيمته وإهداءها وقد يكون المقتول صغيرا معيبا ، أجازوا في الهدي ما لا يجوز في الأضاحي ، وإن زعم أنه لا يجوز أن يشتري بقيمته فيهديه إلا ما يجوز في الضحايا أوضح بذلك من قوله الخلاف لظاهر التنزيل ؛ وذلك أن الله تعالى أوجب على قاتل الصيد من المحرمين عمدا المثل من النعم إذا وجدوه ، وقد زعم قائل هذه المقالة أنه لا يجب عليه المثل من النعم وهو إلى ذلك واجد سبيلا . ويقال لقائل : ذلك : أرأيت إن قال قائل آخر : ما على قاتل ما لا تبلغ من الصيد قيمته ما يصاب به من النعم ما يجوز في الأضاحي من إطعام ولا صيام ، لأن الله تعالى إنما خير قاتل الصيد من المحرمين في أحد الثلاثة الأشياء التي سماها في كتابه ، فإذا لم يكن له إلى واحد من ذلك سبيل سقط عنه فرض الآخرين ، لأن الخيار إنما كان له وله إلى الثلاثة سبيل ؛ فإذا لم يكن له إلى بعض ذلك سبيل بطل فرض الجزاء عنه ، لأنه ليس ممن عني بالآية ؛ نظير الذي قلت أنت إنه إذا لم يكن المقتول من الصيد يبلغ قيمته ما يصاب من النعم مما يجوز في الضحايا ، فقد سقط فرض الجزاء بالمثل من النعم عنه ، وإنما عليه الجزاء بالإطعام أو الصيام ؛ هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ما يقتله المحرم يقول تعالى ذكره : يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم ، يعني : فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل . هَدْياً يقول : يقضي بالجزاء ذوا عدل أن يهدي فيبلغ الكعبة . والهاء في قوله ويحكم به . عائدة على الجزاء ، ووجه حكم العدلين إذا أرادا أن يحكما بمثل المقتول من الصيد من النعم على القاتل أن ينظرا إلى المقتول ويستوصفاه ، فإن ذكر أنه أصاب ظبيا صغيرا حكما عليه من ولد الضأن بنظير ذلك الذي قتله في السن والجسم ، فإن كان الذي أصاب من ذلك كبيرا حكما عليه من الضأن بكبير ، وإن كان الذي أصاب حمار وحش حكما عليه ببقرة إن كان الذي أصاب كبيرا من البقر ، وإن كان صغيرا فصغيرا ، وإن كان المقتول ذكرا فمثله من ذكور البقر ، وإن كان أنثى فمثله من البقر أنثى ، ثم كذلك ينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من الصيد شبها من النعم فيحكمان عليه به كما قال تعالى . وبمثل الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف في ذلك بينهم . ذكر من قال ذلك بنحو الذي قلنا فيه : حدثنا هناد بن السري ،